ابن عربي
50
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
يرجع عدوك صديقا فتأمنه * ولا تخف منه إضرارا ولا ضررا وما يلقاها إلا صابر وله * حظ من العلم لمّا أمعن النظرا [ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 36 إلى 37 ] وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 36 ) وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 37 ) لما كانت حاجة الخلق إلى الليل ليسكنوا فيه ويتخذوه لباسا يحول بينهم وبين عين الناظرين ، وإلى النهار ليتسببوا فيه في تحصيل أقواتهم ، ورأوا أن الشمس يكون النهار بطلوعها ويكون الليل بغروبها ، نسبوا وجود الليل والنهار إليها فعبدوها ، وهم الشمسية ، فقال تعالى : « وَمِنْ آياتِهِ » الضمير يعود على اللّه « اللَّيْلُ وَالنَّهارُ » وإن حدث عن الشمس فما هو من آياتها بل هو من آياتي ، ثم قال « وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ » فإذا كانت عبادتكم للشمس والقمر لما ظهر عنها من علل ، فأنا خالق هذه الآيات دلالات عليّ « لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ » فاسجدوا للّه الذي خلقهن ، فجمع الليل والنهار والشمس والقمر في الضمير ، وغلب هنا التأنيث على التذكير ، لأن الليل والنهار والشمس والقمر منفعلون لا فاعلون ، وجمعهن جمع من يعقل من المؤنث ، ينبه بذلك أيضا على نقص الدرجة التي تنبغي للذكورية ، ولم يقل خلقهم حتى لا يعظم قدرهم بتغليب التذكير عليهم ، فإن العرب تغلب المذكر على المؤنث في كلامها ، تقول : زيد والفواطم خرجوا ، ولا تقول : خرجن ، فإن اللّه الذي خلقهن أولى بأن تعبدوه منهن ، لأن مرتبة الفاعل فوق مرتبة المنفعل ، فالحق أولى وأحق أن يعبد ممن له النقص من طريقين ، من كونه مخلوقا ومن كونه مؤنثا . [ سورة فصلت ( 41 ) : آية 38 ] فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ ( 38 )